ابن يعقوب المغربي
277
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
تشبيها لو كان بحيث لو جعل في مكانه المشبه لم يصح ، فإن إسناد التشبيه هو أن لا يصح إيقاع المشبه موضع لفظ المشبه به ، وسواء حينئذ كان السطح بحيث تأتى في تقدير الأداة ، كقوله تعالى : وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ " 1 " أولا يمكن إلا بالتأويل والنظر إلى المعنى كقوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ " 2 " إذ لو جعل مكان البحرين المؤمن والكافر اللذين هما المشبهان ، أو قلبهما ، وقيل في غير القرآن مثلا وما يستوي المؤمن والكافر لم يصح مع قوله : وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا إلى آخر الآية ؛ فتعين أن يكون تشبيها من جهة المعنى ، لا استعارة ، أي : المؤمن والكافر كالبحرين هذا عذب إلخ ، وههنا إن جعل لفظ المشبه مكان لفظ المشبه به صح أن يكون التقدير زيد ذات صدقت عليها الشجاعة كالأسد ، ويدل على أن الأسد منقول للمشبه وهو المجترئ تعلق المجرور به ؛ لأن المنقول إليه مشتق بخلاف لفظ الأسد في الأصل ، وذلك كقوله : أسد علي وفي الحروب نعامة " 3 " . أي : مجترئ على كاجتراء الأسد ، وفي الحروب هو نعامة ، أي : جبان ؛ لأن النعامة من أجبن الحيوانات ، ومثل هذا قوله : والطير أغربة عليه " 4 " . أي : باكية عليه ؛ فإن الأغربة جمع غراب ، وهو جامد في الأصل ، وإنما صح تعلق المجرور به باعتبار المعنى المنقول إليه وهو باكية ، وإنما نقل لفظ الأغربة إلى معنى الباكية لأن الغراب يشبه الباكي الحزين ؛ إذ يزعمون أن الغراب يعلم بالموت ، ومن لازم ذلك التحزن ، فقد تقرر أن هذا مثل : زيد أسد ليصح أن يكون استعارة ، وقد بينا - كما بسطه في المطول - أنه لا يرد عليه أن فيه الجمع بين طرفي التشبيه ، لأنا حققنا أن المنقول إليه لفظ الاستعارة هو المعنى المخبر به لا زيد ، وفيما تقرر نظر من وجهين .
--> ( 1 ) النمل : 88 . ( 2 ) فاطر : 12 . ( 3 ) البيت لعمران بن حطان مفتى الخوارج ، شعر الخوارج ص ( 64 ) . ( 4 ) بعض بيت لأبى العلاء من قصيدة يرثى بها الشريف الطاهر الموسوي ؛ مطلعها : أودى فليت الحادثات كفاف * حال المسيف وعنبر المستاف